أحمد بن محمد ابن عربشاه

242

فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء

من ينتقص حرمته وينتهك عظمته وحشمته ، ومنهم ذو الطبع اللئيم المفسد في الحريم . ولا شك أن أبا نوفل المهمل المغفل قد ارتكب بعض هذه الصفات ، وهو متلبس بأشنع الحركات ، وهذا يدل على لؤم أصله ، وشؤم محله ، وسوء طويّته وفساد نيته ، ومن أكرم اللئيم فهو الملوم ، وهذا أمر معلوم وقد قيل : إذا أنت أكرمت الكريم ملكته * وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا فقال أخو نهشل الفقير : لا تقل ذلك أيها الوزير ؛ فإن أبا نوفل عبد خديم ومخلص قديم وظريف نديم ، ومحب صديق وودود شفيق أمين ، ثقة ذو وفاء ومقة ، محب ناصح وجليس صالح ، لم يعلم مولانا الملك عليه إلا الخير ، ولم يزل يسير في طريق العبودية أحسن سير ، ولم يطلع منه على شيء يعيبه ولا يشينه في الدارين ولا يريبه ؛ بل هو ملازم لوظائف عبوديته مباشر لما يجب عليه من شرائط خدمته ، لم يصدر عنه أبدا غش لمخدومه ولا خروج عن امتثال أوامر مرسومه ، فإن صدرت منه هفوة نادرة أو سهوة بادرة أو جفوة سادرة « 1 » فحلم مولانا الملك لا يقتضى ؛ بل ولا يرتضى ، إطراح هذه الأوصاف المتعاضدة لأجل هذه الزلة الواحدة كما قيل : فإن يكن الفعل الّذى ساء واحدا * فأفعاله اللاتي سررن ألوف مع أنه حصل له من كسر الخاطر وإحراق القلب وإغراق الجفن الماطر ما لا يجبره إلا العواطف السلطانية والمراحم الشريفة الملوكية ، ونظرة من الحنو والعطف وذرة من الشفقة واللطف تكفيه ، ومن أليم الجفاء تنجيه وبعد شدة الممات تحييه ، وإلا فلا نعرف أحدا يجبر كسر ذلك الوهن أبدا إلا الآلاء السلطانية من يد العلو تعالى مقامها إلى درجات السمو والعطف والحنو .

--> ( 1 ) عابرة .